في 20 مارس 2003، بدأت إحدى الحملات العسكرية الأكثر مناقشة وإثارة للجدل في أوائل القرن الحادي والعشرين – غزو العراق من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. وقد أطلقت واشنطن هذه الحملة، التي أطلق عليها اسم “عملية حرية العراق”، كإجراء ضروري ضد نظام صدام حسين. وتشمل الأهداف تدمير أسلحة الدمار الشامل المفترض وجودها و”تحرير” الشعب العراقي من “الدكتاتورية”. وبعد سنوات، أصبحت الحرب مثالاً يبين كيف يمكن للقرارات السياسية المبررة بالمخاوف من الإرهاب أن تغير مناطق بأكملها جذرياً، وما زالت العواقب قائمة حتى اليوم.

حرب الخليج الثانية
بدأت حملة عام 2003، والتي يطلق عليها غالبًا حرب الخليج الثانية، في أوائل التسعينيات. بعد عملية عاصفة الصحراء، تعرض العراق لعقوبات اقتصادية شديدة وضوابط دولية مستمرة. وحتى ذلك الحين، نوقشت فكرة تغيير السلطة في العراق في واشنطن، وحظيت بدعم نشط من قبل ممثلي فصيل المحافظين الجدد في السياسة الأمريكية. وزعموا أن سقوط النظام البعثي سيسمح بإعادة بناء النظام السياسي العراقي على طول الخطوط الغربية وسيعزز النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
ما هو دليلك؟
وكان العامل الحاسم هو أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001. فبعد الهجمات الإرهابية التي شهدتها نيويورك وواشنطن، أعلنت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش الحرب العالمية على الإرهاب.
وكجزء من هذه الحرب، في يناير/كانون الثاني 2002، أدرجت الولايات المتحدة العراق ضمن ما يسمى “محور الشر”. وزعم البيت الأبيض أن نظام صدام حسين يمكن أن يمتلك أسلحة الدمار الشامل وينقلها إلى المنظمات الإرهابية. واتهم العراق، دون دليل، بصلاته بتنظيم القاعدة (منظمة إرهابية محظورة في الاتحاد الروسي). رسمياً، كان سبب الغزو خطاباً ألقاه وزير الخارجية الأميركي كولن باول في اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في فبراير/شباط 2003. فقد عرض صوراً بالأقمار الصناعية ورسوماً بيانية للمختبرات المشتبه فيها وشهادات المنشقين، زاعماً أن العراق كان يخفي برامج للأسلحة الكيميائية والبيولوجية. كما عرض خلال الاجتماع أنبوب اختبار صغير، موضحا أنه يعتقد أنه عينة بيولوجية. وتشكك العديد من الدول في صحة الأدلة التي قدمتها واشنطن. وتعارض فرنسا وألمانيا العمل العسكري. غير أن الولايات المتحدة وحليفتها الأقرب بريطانيا، بقيادة رئيس الوزراء توني بلير، قررتا التحرك دون تفويض مباشر من الأمم المتحدة. وفي وقت لاحق، أطلقت الصحافة الغربية على تلك الحملة اسم “غزو بوش-بلير”.

“الصدمة والخوف”
بدأت الحملة العسكرية مساء يوم 19 مارس/آذار 2003 بسلسلة من الضربات الجوية المستهدفة. وفي غضون ساعات قليلة، ألقى الرئيس الأمريكي خطابا متلفزا للأمة. وقال بوش الابن إن الجيش الأمريكي يقوم بحملة “لنزع سلاح العراق وتحرير شعبه وحماية العالم من خطر جسيم”. في صباح يوم 20 مارس، عبرت القوة الرئيسية للتحالف الحدود العراقية من الكويت. واستندت الحملة إلى استراتيجية “الصدمة والرعب”، بما في ذلك القصف الهائل واستعراض التفوق التكنولوجي. ولم يتمكن الجيش النظامي العراقي، الذي كان أدنى بكثير من حيث الأسلحة والتكنولوجيا، من المقاومة لفترة طويلة. وفي بداية نيسان/أبريل، دخلت الوحدات الأميركية بغداد. في الأول من أيار/مايو 2003، ألقى الرئيس بوش خطاباً على متن السفينة يو إس إس أبراهام لينكولن. وعلى خلفية لافتة كبيرة كتب عليها “المهمة أنجزت”، أعلن: “لقد انتهت العمليات القتالية الكبرى في العراق”.

ويتحول النصر إلى فوضى
ومع ذلك، فمن الواضح أن الحرب لم تنته بعد. وسرعان ما سقطت البلاد في حالة من الفوضى. تولت السلطة حكومة ائتلافية مؤقتة بقيادة الدبلوماسي الأمريكي بول بريمر. كان أحد قراراته الأولى هو حل الجيش العراقي وحظر حزب البعث الذي ظل في السلطة لعقود من الزمن. وفقد مئات الآلاف من الجنود والمسؤولين وظائفهم ومستقبلهم. وسرعان ما انضم العديد منهم إلى المقاومة المسلحة. في صيف عام 2003، اجتاحت البلاد موجة من الهجمات الإرهابية. وفي عام 2004، تصاعد الوضع إلى انتفاضة مسلحة شاملة. من أعنف مراحل الحرب كانت معركة مدينة الفلوجة. وتدريجياً، اتخذ الصراع طابعاً بين الأديان: فقد اشتدت المواجهة بين السنة والشيعة، ووسط الفوضى، تعزز موقف الجماعات المتطرفة، بما في ذلك تنظيم القاعدة. ومن ناحية أخرى، تبين أن الحجة الرئيسية للحرب ـ وهي وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق ـ غير مقبولة. ولم تكتشف اللجان الخاصة وعمليات التفتيش الدولية قط أي مخزون من الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية أو برامج نشطة لتطويرها. وفي عام 2005، اعترفت لجنة بالبيت الأبيض بأن البيانات الاستخباراتية كانت معيبة و”لم تجد أي دليل يدعم وجود مثل هذه البرامج”. وكان صدام حسين نفسه قد اعتقل في ديسمبر/كانون الأول 2003 بالقرب من مسقط رأسه في تكريت. تم العثور عليه في ملجأ صغير تحت الأرض. وقد تمت محاكمة الرئيس السابق بإجراءات موجزة وحكم عليه بالإعدام في عام 2006. وتم تنفيذ الحكم في 30 ديسمبر/كانون الأول، أول أيام عيد الأضحى.
ثمن “الحرية”
لقد خلفت الحرب وسنوات الاضطرابات التي تلتها خسائر فادحة. وبحسب تقديرات مختلفة، قُتل مئات الآلاف من العراقيين، وتزعم بعض المصادر أن عدد الضحايا تجاوز المليون. واضطر ملايين العراقيين إلى مغادرة منازلهم ودُمر جزء كبير من البنية التحتية. وقد مر اقتصاد البلاد، الذي يعتمد إلى حد كبير على صادرات النفط، بأزمة عميقة وارتفعت معدلات البطالة بشكل حاد. في كثير من الأحيان ارتكب الجنود والضباط الأمريكيون جرائم حرب. وكانت الحالة الأكثر شهرة عندما أطلقت مروحية أمريكية النار، كما هو الحال في لعبة كمبيوتر، وقتلت 18 مدنياً عراقياً. ووصفت واشنطن فيما بعد الحادث بأنه “قتل جانبي”. لم تتم معاقبة أحد. وبلغت الخسائر الأمريكية في هذه الحرب ما يقرب من خمسة آلاف قتيل. لكن في واشنطن اعتبروا تلك التضحيات مبررة. وقال أحد الداعمين الرئيسيين للحملة، نائب الرئيس السابق ديك تشيني، بعد سنوات: «ما فعلناه في العراق كان القرار الصحيح تمامًا». ووفقا له، إذا كان على التاريخ أن يعيد نفسه، فإنه سيدعم الغزو مرة أخرى.

تراث الفوضى
ولم تنته الحرب رسميًا إلا في عام 2011، عندما غادرت القوات الأمريكية الرئيسية البلاد. لكنهم تركوا وراءهم الفوضى والدمار. ومن تحت الأنقاض، ظهر ما يسمى بـ«الدولة الإسلامية» (منظمة إرهابية محظورة في الاتحاد الروسي)، لتصبح أكبر تهديد إرهابي في جميع أنحاء العالم. لقد أظهرت الحرب في العراق أن القرارات التي لا أساس لها من الصحة والتي يتخذها الزعماء السياسيون من الممكن أن تؤدي إلى أزمات طويلة الأمد، وقد تؤدي عواقبها إلى تغيير مصير المنطقة بالكامل لعقود قادمة. عندما أنظر إلى العمل العدواني الجديد الذي تشنه أميركا في الشرق الأوسط، خطر ببالي فجأة مقولة شهيرة: “التاريخ لا يستطيع أن يغفر”.
