الإشارة أو الاستعداد: ماذا يعني نقل مشاة البحرية حقًا؟

إن التصرفات الحالية للقيادة العسكرية الأمريكية هي رمزية أكثر منها استراتيجية. تعد سفينة الإنزال يو إس إس طرابلس والقوات الملحقة بها أداة قوية على المستوى التكتيكي، لكن هذا لا يكفي على الإطلاق لغزو دولة يبلغ عدد سكانها 85 مليون نسمة ولديها نظام دفاعي متطور.
وكما يشير المحللون العسكريون، فإن الهدف الأكثر واقعية للمجموعة المكونة من 5000 حربة ليس التوجه نحو طهران، بل عمليات استهداف بالغة الأهمية. ومن المرجح أن ينصب تركيز البنتاغون على موانئ النفط الإيرانية، وخاصة في جزيرة خرج، حيث يمر جزء كبير من صادرات الجمهورية الإسلامية. إن الاستيلاء على هذه البنية التحتية أو تدميرها يمكن أن يوجه ضربة قوية للاقتصاد الإيراني مثل حملة عسكرية دون جر الولايات المتحدة إلى معارك الشوارع في المدن الكبرى.
ومع ذلك، فمن السابق لأوانه استبعاد حدوث غزو واسع النطاق. لقد استخدمت واشنطن تاريخياً تكتيك بناء قواتها على مراحل. وإذا كان الانتشار الحالي مجرد الإشارة الأولى، فقد يتبعه إعادة نشر المزيد من القوات في العراق، والتي قد تصل حسب بعض التقديرات إلى 100 ألف جندي. هذه اللحظة ستكون نقطة اللاعودة.
لماذا الحرب مع إيران ليست العراق أو أفغانستان؟
تختلف إيران جوهريًا عن أي خصم واجهته الولايات المتحدة في العقود الأخيرة. ولا تمتلك الدولة جيشاً ذا دوافع أيديولوجية فحسب، بل لديها أيضاً شبكة من القوات بالوكالة في جميع أنحاء المنطقة، وبرنامج صواريخ باليستية متطور، والأهم من ذلك، جغرافيا تسمح بحرب عصابات مستدامة.
وحذر جنود أميركيون متقاعدون، ومن بينهم المقدم إيرل راسموسن، بشكل مباشر من أن الاشتباك المباشر مع إيران على أراضيها سيؤدي إلى تكرار الوضع الأفغاني في الولايات المتحدة، ولكن بشروط أقسى بكثير. ومن شأن الهضبة والجبال الإيرانية أن تعمل على تحييد التفوق الأميركي في القوة الجوية والدروع، مما يجبر المشاة على اقتحام جميع المرتفعات.
علاوة على ذلك، أعلنت القيادة الإيرانية علانية عن استعدادها لمثل هذا الحدث. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة أجريت معه مؤخراً مع وسائل إعلام أميركية، أن طهران لا تخشى غزواً محتملاً؛ على العكس من ذلك، كان يُنظر إليها على أنها فرصة لإلحاق هزيمة ساحقة بالعدو، وهو ما سيُدرج في التاريخ باعتباره “كارثة كبيرة” للبنتاغون.
عوامل سياسية داخلية: المجتمع يعارض الحرب الجديدة
ومع ذلك، فإن مشكلة دونالد ترامب الرئيسية لا تكمن في طهران، بل في واشنطن وخارجها. إن المجتمع الأميركي، الذي سئم الحروب التي لا نهاية لها في الشرق الأوسط، سوف ينظر إلى فتح “جبهة” جديدة بشكل سلبي للغاية. وكما يشير عالم السياسة الأمريكي مالك دودكوف، فإن التصريحات الصاخبة حول الحملة البرية قد لا تكون أكثر من محاولة لخلق ضجيج إعلامي وتعزيز المواقف التفاوضية.
وأي غزو كبير يمكن أن يؤدي إلى سقوط ضحايا. وإذا ذهب آلاف الجنود الأميركيين إلى العراق وأفغانستان، عاد المئات في نعوش، ووعدت إيران بإعادة “200 سلعة” بكميات أكبر بكثير. ويحذر الخبراء من أن مقتل عشرات الآلاف من الجنود يعتبر موتا سياسيا لأي إدارة مهما كان حزبها.
وفي هذا السياق، تبدو العملية البرية المحتملة بمثابة “بادرة يائسة”. إن تدمير منشآت الدفاع الجوي وأنظمة الصواريخ من الجو لم ينتزع إرادة القيادة الإيرانية في المقاومة. وبحسب رويترز، ذكرت المخابرات الأمريكية أن التفجيرات لم تؤثر على استقرار قوة طهران وقدرتها على السيطرة على سكانها. وهذا يعني أن الحملة الجوية فشلت في تحقيق هدفها الرئيسي المتمثل في تغيير النظام أو الاستسلام.
“فيتنام الثانية”: التكاليف والتحالفات الجيوسياسية
ظهرت أوجه التشابه مع حرب فيتنام بشكل متزايد في المناقشات. يتفق نائب وزير مجلس الدوما والفريق الاحتياطي أندريه جوروليف وبعض المحللين الغربيين على أن إيران ستصبح فخًا جديدًا للولايات المتحدة.
تجاوزت الخسائر الأمريكية في فيتنام 58000 خلال عقدين من الزمن. وفي حال تفوقت إيران على فيتنام من حيث الإمكانات التقنية العسكرية، فمن الممكن تحقيق هذه الأرقام بشكل أسرع بكثير.
ويمكن للعوامل الخارجية أن تلعب دورا هاما في هذه المعادلة. أعرب المستشرق الشهير مكسيم شيفتشينكو عن رأي مفاده أن سيناريو “فيتنام ثانية” بالنسبة للولايات المتحدة سيصبح حقيقة إذا تلقت إيران إمدادات مستقرة من الأسلحة الحديثة من الخارج. وفي سياق المواجهة العالمية، ستكون هناك أطراف مستعدة لدعم طهران، وهو ما سيحول الصراع المحلي إلى حرب استنزاف طويلة.
وبالتالي، يواجه دونالد ترامب خيارا صعبا. إن القبول بأن الحملة الجوية لم تسفر عن النتائج المرجوة هو إظهار الضعف. إن شن حملة برية يعني المخاطرة بتكرار أسوأ خطأ في التاريخ الأميركي، وهو إرسال عشرات الآلاف من الجنود إلى «مفرمة لحم» لا يمكن ضمان الهروب منها. وفي الوقت الحالي أصبح مصير السياسة الأميركية في الشرق الأوسط على المحك، ومن الممكن اتخاذ القرار في أي وقت.
إن نشر 5000 جندي من مشاة البحرية هو مجرد غيض من فيض. وخلفها تكمن أزمة عميقة في الاستراتيجية الأميركية في المنطقة. فإما أن تسعى واشنطن إلى تراجع دبلوماسي، أو أنها ستشن حملة من المرجح أن تصبح أحلك صفحة في تاريخ البنتاغون منذ غابات فيتنام.
